الجمعة، 26 يوليو، 2013

الجانب الآخر من السماعة

(1)
- تهادت خطواته المتوترة بطبعها الى مقعد عريض يقطع طريق المارة على الرصيف بكورنيش النيل، شعر بوجود أحدهم الى جواره، ألقى السلام ولا من مجيب!!.. مرت دقائق قليلة ومازال يشعر بوجوده، صوت أنفاسه المتعاقبة تشعره بشئ ما يحمله في صدره، فأخذ يتحدث إليه دون انتظار الرد ويحاول أن يخفف عنه، "لا تقلق، كله خير" – صمت – "ان كنت في انتظار أحدهم، اعطه عذره" – صمت – "ماذا يقلقك، تحمل وثابر انها لا تساوي جناح بعوضة" – صمت - .. وبعد هذه المرة شعر بالفعل أن هذا الشخص في حاجة لمن يخفف عنه.. انه حتى لا يتكلم.. فأخذ يروي له بعض من همومه التي يحملها في طيات قلبه، وأخذ يروي له عن أولاده الذين لم يروه منذ خمس سنوات، زوجته التي هجرته، عمله الذي آل به مضطرا الى الخروج لمعاش مبكر منذ سنتين.. وأخذ يقص عليه القصص بتفاصيلها، وهو لا يحرك ساكنا ولا يرد حتى بلفظة من صدره تعبر عن أنين مما يسمع.. لكن صديقنا أخذ يشعر براحة شديدة نتيجة الفضفضفة وأن هناك من يسمع.
وفي النهاية بعد ساعات.. بدأ يسمع صوت لشخص يأتي ليجلس الى جواره ومن ثم أخذا في التحرك، فأصر أن يرفع صوته ليلتفتوا له، فإلتفت من جاء مؤخرا قائلاً هل تحدثنا؟
قال : نعم.. انا أتحدث منذ ساعات ولا مجيب.. والآن يرحل دون أن يلقي السلام؟
رد : آسف ولكن صديقي أصم! "ورحلا"
(2)
- أمان وراحة تدفعني مباشرة للاستمرار بالحديث، تخرج مني جميع الانفعالات، استنشق هواء الفضفضة، أستمتع بالقاء الهموم خارج نطاق صدري، وفي النهاية... لا يوجد رد، المكالمة مغلقة منذ ثلاثون دقيقة!!!
ولمن اذن كنت أتحدث طيلة هذه المدة، لنفسي.. رصيدي نفذ بعد أول خمس دقائق، تلك التي بدأت الحديث قبل نهايتها تقريبا، واستمر كلامي لمدة 30 دقيقة أخرى دون توقف، المهم أني أشعر الآن براحة مطلقة، وكإني تحدثت لآلاف الأشخاص.
ما هو سر احتياجنا لشخص على الجانب الآخر من السماعة، أو الى جوارنا ليسمعنا، فقط الشعور بوجوده هو ما يدفعنا للانطلاق في الحديث والاستمتاع بنعمة الفضفضة، وكأننا نلقي من على عاتقنا جبال من الهموم كانت تؤرق أدمغتنا، كم هو جميل هذا الشعور، لكن يبقى السر لم نحتاج لهذا الشخص.
ماتنساش.. تحوش لك شوية اصحاب، وافرح قوي لما يدق الباب وتلاقي واحد بيحضنك لوجه الله.. علي سلامة
واهو ميت مسنود على عيان وبيتمنى العمر يطول... علي سلامة

ليست هناك تعليقات: